النويري

16

نهاية الأرب في فنون الأدب

وخرج الناس وخرجت مع إخواني اليه ، فجلسنا مجلسنا الأوّل بعينه ، فما كنا والنسوة إلا كفرسى رهان ؛ فأومأت إلى ظئرى فجلست ، وأقبلت على إخواني فقلت : لقد أحسن القائل : رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت وقد غادرت جرحا به وندوبا فأقبلت على صواحباتها وقالت : أحسن واللَّه القائل ، وأحسن من أجابه حيث يقول : بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلنّا نرى فرجا يشفى السّقام قريبا فسكتّ عن الجواب خوفا من أن يظهر منى ما يفضحني وإياها ، وعرفت ما أرادت . ثم تفرّق الناس وانصرفنا ، وتبعتها ظئرى حتى عرفت منزلها ، وصارت إلىّ فأخذت بيدي ومضينا إليها ، فلم نزل نتلطَّف حتى وصلت إليها ، فتلاقينا وتزاورنا على حال مخالسة ومراقبة ، حتى شاع حديثي وحديثها وظهر ما بيني وبينها ، فحجبها أهلها وسدّوا أبوابها ؛ فما زلت أجهد في لقائها فلا أقدر عليه ، وشكوت ذلك إلى أبى لشدّة ما نالني وسألته خطبتها لي . فمضى أبى ومشيخة أهلي إلى أبيها فحطبوها ؛ فقال : لو كان بدأ بهذا قبل أن يفضحها ويشهرها لأسعفته بما التمس ، ولكنه قد فضحها فلم أكن لأحقّق قول الناس فيها بتزويجه إياها ؛ فانصرفت على يأس منها ومن نفسي . قال معبد : فسألته أن ينزل بجوارى ، وصارت بيننا عشرة . ثم جلس جعفر بن يحيى ليشرب فأتيته ، فكان أوّل صوت غنيّته صوتي في شعر الفتى ، فشرب وطرب عليه طربا شديدا ، وقال : ويحك ! إن لهذا الصوت حديثا فما هو ؟ فحدّثته ، فأمر بإحضار الفتى فأحضر من وقته ، واستعاده الحديث فأعاده ؛ فقال : هي في ذمتي حتى أزوّجك إياها ؛ فطابت نفسه وأقام معنا ليلتنا حتى أصبح ، وغدا جعفر إلى الرشيد فحدّثه الحديث ، فعجب منه وأمر بإحضارنا جميعا فأحضرنا ، وأمر بأن أغنيّه الصوت